السودان.. أطماع إسرائيلية ومنافع استراتيجية واقتصادية كبيرة لتل أبيب

السودان.. أطماع إسرائيلية ومنافع استراتيجية واقتصادية كبيرة لتل أبيب

شنبه ۰۳ آبان ۱۳۹۹ ساعت ۰۶:۵۲
امتیاز این گزینه
(0 آرا)

يدور جدل محتدم حول تطبيع العلاقات السودانية الاسرائيلية، وهو جدل في غير محله وفي غير موعده وفي غير سياقه، فالقرار في مثل القضية موضوع الجدل ليس من مهام الحكومة الانتقالية، المحددة بنص الوثيقة الدستورية”.



ووفق التقارير المتواترة، سواء من واشنطن أم من تل أبيب، فإن الراكب القادم المرشح اعتلاؤه قاطرة التطبيع، هو السودان مقابل رفعه عن لائحة الإرهاب، وتغذية خزينته بعدة مليارات من الدولارات.

وتتسابق إسرائيل الزمن لتطبيع رسمي للعلاقات مع السودان لتضع موطئ قدم لها بأفريقيا وعلى البحر الأحمر، وتواصل جهودها لدى إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لدعم الخرطوم وشطبها من لائحة الإرهاب.

وتولي المؤسسة الإسرائيلية أهمية بالغة لتطبيع العلاقات مع السودان، وخروجها من الكواليس في ظل حكم المجلس العسكري.

وتراهن هذه المؤسسة الأمنية على احتضان السودان الذي كان من -وجهة النظر الإسرائيلية- محطة مهمة لتنظيم القاعدة ومستودعات الأسلحة الإيرانية، ومسارا لنقل الأسلحة إلى الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة، وإلى ليبيا التي تشهد بهذه المرحلة تعزيز النفوذ التركي والاستثمارات بشكل متزايد.

وتنظر تل أبيب إلى أهمية تعزيز النفوذ في القارة الأفريقية وفي تخوم دول المغرب العربي، علما بأن الاختراق الأول لإسرائيل بأفريقيا للدول الإسلامية كان في تشاد المجاورة للسودان وليبيا.

لم يكن أشد المتفائلين بالتطبيع العربي- الإسرائيلي ينتظر أن يكون السودان محطة جديدة لإسرائيل لأجل “بدء تعاون يفضي إلى تطبيع العلاقات بين البلدين”، كما صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد لقائه رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أوغندا. فالسودان كان إلى عهد قريب من أشد القلاع العربية التي تعلن معاداة إسرائيل، بل إن الرئيس المخلوع عمر البشير صرّح في آخر عام من رئاسته: “نصحونا بالتطبيع مع إسرائيل لتنفرج عليكم، ولكننا نقول الأرزاق بيد الله”.

بالنسبة لإسرائيل، يأتي اختيار “بدء تعاون” مع السودان في وقت مهم جدا. إذ لا تزال الحكومة الإسرائيلية منتشية بتقديم حليفها الأمريكي لما يعرف بـ”صفقة القرن” ودفاعه المستميت عنها، فضلا عن أن التقارب الإسرائيلي – العربي أخذ دفعة جديدة بعد الزيارة التي قام بها نتنياهو إلى العاصمة العمانية مسقط، وتعدّد التقارير التي تشير إلى تنسيق إسرائيلي-عربي في ملفات متعددة، وأخيرا الاختراق الذي نجحت فيه إسرائيل داخل القارة الإفريقية وتقويتها لعلاقاتها مع عدة دول هناك، ومن ذلك تطلعها لأن تفتتح أوغندا سفارة لها في القدس.

ويبقى السودان ذا أهمية استراتيجية بالغة لإسرائيل، فهو يقع في منطقة لها علاقات مع الأخيرة، سواء جارته الشمالية مصر، أو دول أخرى جارة في الجنوب كجنوب السودان وأوغندا وإريتريا. ومن شأن إدخال السودان إلى “مجموعة الشركاء” أن يعطي لإسرائيل دفعة قوية في توسيع حضورها الخارجي، فضلاً عن منافع اقتصادية كبيرة، منها مزاحمة قوى إقليمية، كتركيا والسعودية، تتسابق لكسب النفوذ في السودان.

ومن أكبر المنافع الاستراتيجية، حسب تحليل نشر في صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، هو قطع الروابط التي تجمع السودان مع جبهات معادية لإسرائيل، وبالتالي تخسر القوى التي شنت الحرب على الغرب خلال العقدين الأخيرين واحدة من أهم قواعد عملياتها، خاصة أن الخرطوم، حسب التحليل ذاته، كانت لها روابط مع أسوأ الأزمات التي واجهت إسرائيل والغرب، ومن ذلك احتضان مقاتلين لتنظيمات إسلامية.

وحسب أوجيني كونتوروفيش، أستاذ القانون الدولي في جامعة جورج ماسون الأمريكية، فإن السودان تحوّل من “مكان انطلق العرب منه لرفض إسرائيل، إلى مكان ينطلقون منه للرّد على الرفض”، في إحالة منه إلى تهديدات الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع كل العلاقات مع إسرائيل.

ويمضي كونتوروفيش في الحديث لـDW  إنجليزي قائلا إن الموقف السوداني ذو أهمية خاصة لأنه يأتي بعد تقديم واشنطن لرؤيتها الخاصة بالسلام في الشرق الأوسط، وأن كل التوقعات برد فعل عربي قوي ضد الإدارة الأمريكية بعد إعلان الصفقة لم تتحقق، بل “صرنا نرى دولا عربية لا تريد أن تكون رهينة عدمية السلطة الفلسطينية” حسب قوله.

ولعل أكبر مصلحة بالنسبة للسودان في أيّ تطبيع محتمل مع إسرائيل هو رفع اسمه من قائمة الإرهاب، وهو هدف ركض وراءه الرئيس المخلوع عمر البشير، ودخلت إلى جانبه السعودية التي لا تزال تؤكد دعمها للسودان في هذا الصدد، دون أن تقدم واشنطن ضمانات حقيقية للخرطوم.

غير أن ما يقف في وجه إسرائيل هو الرفض الشعبي القوي داخل السودان لأي تطبيع في العلاقات. وفي هذا الإطار يقول الطيب العباس، الأمين العام لنقابة المحامين السودانيين، والقيادي في قوى إعلان الحرية والتغيير، إن أيّ اتفاق بين نتنياهو والبرهان، سواء أكان مخططا له أو وقع بشكل عرضي، “مرفوض تمامًا بالنسبة للشعب السوداني المتمسك بالقضية الفلسطينية”.

وتطرق كاتب إسرائيلي إلى الخلافات الداخلية التي تعصف في السودان؛ إزاء الإقدام على تطبيع العلاقات مع “تل أبيب”.

ويقول إيتمار أيخنر، في تقريره على صحيفة “يديعوت أحرونوت”، ترجمته “عربي21″، إن تطلع السودان للدعم الأمريكي لاقتصاده، وتسريع إزالته من قائمة الإرهاب، يواجه “تخوفا من تأجيل الكونغرس لهذه الخطوة؛ بسبب الاتهامات الموجهة لنظام البشير السابق”.

ووفقا للكاتب، فإن مجلس السيادة العسكري والحكومة المدنية الانتقالية “يفضلان” الانتظار حتى انتخابات 2022، من أجل اتخاذ مثل هذا “القرار التاريخي”.

وأضاف أن “السودان، الدولة الفقيرة المنكوبة، لم تخرج بعد من المأزق الاقتصادي الناتج عن إدراجه في قائمة الإرهاب الأمريكية، ورغم أن مجلس السيادة العسكري السوداني أقر بالفعل بأن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ستسرع بشكل كبير من الإجراءات التسهيلية، لكن الحكومة الانتقالية المدنية ترى في ذلك خطوة بعيدة المدى، وترفضها”.

وأوضح أن “الأوساط السياسية في تل أبيب فهمت جيدا أن السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، كيلي كرافت، قصدت السودان عندما قالت إنه “خلال يوم أو يومين، ستوقع دولة عربية أخرى اتفاقية سلام مع إسرائيل”. ومع ذلك، فإن ما هو متوفر من معلومات في إسرائيل يفيد بأن “السودان ليس جاهزا بعد لهذا الإعلان التاريخي؛ لأنه يعارض الربط الأمريكي بين إقامة علاقات مع إسرائيل وشطبه من قائمة الإرهاب الأمريكية”.

ولفت إلى أن رئيس وزراء السودان، عبد الله حمدوك، يعتبر أن التطبيع مع إسرائيل “ينطوي على الكثير من المشاكل، ويدعو لمناقشة الخطوة بعمق”، في المقابل، فإن رئيس المجلس السيادي، عبد الفتاح البرهان، يقول إنه “يجب اغتنام الفرصة لإزالة اسم السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب”. ما يشير إلى “خلافات سودانية داخلية واضحة تجاه التقارب مع إسرائيل”.

وأضاف: “إضافة لمطالبة الإدارة الأمريكية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، يواجه السودان عقبة رئيسية أخرى أمام إزالته من القائمة السوداء الأمريكية، وهي إجراءات تشريعية في الكونغرس، تلزمه بدفع تعويضات لضحايا الإرهاب الأمريكيين وعائلاتهم؛ لأن إدراجه على القائمة يصعّب عليه الحصول على تمويل خارجي، وتخفيف أعباء الديون، فارتفاع معدلات التضخم وهبوط العملة هو التحدي الأكبر أمام السلطات السودانية”.

وأكد أن “جزءا من الخلاف الداخلي في السودان حول التطبيع مع إسرائيل ينبع من حقيقة أن الأجنحة الليبرالية للحكومة الانتقالية تجعل من الصعب إقامة علاقات معها، فقد دافعوا لسنوات عن مطالب الفلسطينيين بإقامة دولة ذات سيادة، ما يجعل من إقامة علاقات مع إسرائيل خطوة حساسة بالنسبة للسودان، لأنه حتى وقت قريب، في عهد عمر البشير، كانت السودان دولة معادية، بل إن إسرائيل هاجمت أهدافا على أراضيه في الماضي”.

وأشار إلى “التوجه الذي يقوده رئيس الوزراء حمدوك بأن الحكومة الانتقالية ليس لديها تفويض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وتفضل التركيز على تحقيق الاستقرار في البلاد قبل انتخابات 2022، رغم أن رفع السودان عن قائمة الإرهاب أمر يثير خلاف داخلي أيضا في المؤسسة الأمريكية، بين البيت الأبيض ووزارة الخارجية من جهة، والكونغرس من جهة أخرى”.  

وأضاف أن “إسرائيل تتابع المحادثات الأمريكية السودانية، كي تؤدي لاختراق تاريخي بإقامة علاقات بين تل أبيب والخرطوم، مع وجود عوامل سودانية ترحب بتدفئة العلاقات مع إسرائيل، عقب إعلان رجل الأعمال أبو قاسم محمد برتم، النائب السابق، أنه يعتزم زيارتها في تشرين أول/ أكتوبر، مع وفد من سياسيين ورجال أعمال ورياضيين والمجتمع المدني، وتم إنشاء جمعية صداقة سودانية إسرائيلية، وخلال 48 ساعة انضم إليها 7 آلاف شخص”.

وأكد أن “إسرائيل مهتمة بالسودان لعدة أسباب: أولها مهاجمة شحنات أسلحة من السودان إلى قطاع غزة، وإسرائيل معنية بقطع طرق التهريب هذه لحماس، ثانيها تريد إسرائيل التوصل لاتفاق مع السودان كي تعيد مواطنيها الذين تسللوا لإسرائيل، وثالثها أن تتمكن الطائرات الإسرائيلية والأجنبية من المرور فوق سماء السودان في طريقها من إسرائيل إلى البرازيل، كما حصل في شباط/ فبراير، ما يقصر مدة الرحلة”.

من جانبه، قال حاييم كورين، أول سفير إسرائيلي في جنوب السودان، الذي تقيم معه إسرائيل علاقات دبلوماسية، إن “إقامة علاقات سودانية إسرائيلية قد يستغرق بعض الوقت، لا أعرف متى بالضبط، لكن السودانيين يريدون التطبيع حقا، فهم يعانون أزمة اقتصادية مروعة، ومشاكل سياسية حادة، ويريدون الخروج من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهدف البرهان من لقائه بنتنياهو حصوله على دعوة لزيارة واشنطن”.

في ظل وضع اقتصادي وأمني هش في السودان، يبقى الحديث عن التطبيع مع إسرائيل، ودعم المحور العربي الذي بدأ فعلا في التطبيع مثل الإمارات، هو مجرد محاولة للقفز على المشاكل الداخلية إلى قضية خارجية لا علاقة لها بتردي الوضع الاقتصادي، بحسب محللين.

وأعلن حزب الأمة القومي السوداني، بزعامة الصادق المهدي، أحد أبرز أحزاب مكونات تحالف قوى “إعلان الحرية والتغيير”، الثلاثاء، رفضه لأي خطوة للتطبيع مع إسرائيل، باعتبار أنه ليس من حق حكومة الفترة الانتقالية اتخاذ قرار في مسائل خلافية تحتاج أن تقرها حكومة منتخبة.

وبدأت بالسودان في 21 أغسطس/ آب الماضي فترة انتقالية تستمر 39 شهرا تنتهي بإجراء انتخابات، ويتقاسم خلالها السلطة كل من الجيش وقوى “إعلان الحرية والتغيير”، التي قادت احتجاجات شعبية أجبرت قيادة الجيش على عزل البشير، في 11 أبريل/ نيسان 2019.

وقال أنور محمد سليمان، كاتب ومحلل سياسي، للأناضول، إن “حديث المتحدث باسم الخارجية يخصه وحده، فحسب المتوفر من معلومات لا يوجد تقارب بين السودان وإسرائيل إلا في وسائل الإعلام الإسرائيلية”.

واعتبر أن “إقالة المتحدت هو خير دليل على أن توجه الخرطوم نحو إسرائيل لم يُحسم بعد، باعتبار تعقيدات هذا الملف على المستويين الرسمي والشعبي”.

ورأى أنه “لا علاقة لملف التطبيع بين السودان وإسرائيل بإزالة اسم السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، فالمطلوبات الأمريكية محددة وواضحة منذ سنوات، وليس بينها التطبيع”.

ورفعت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، عقوبات اقتصادية وحظرا تجاريا كان مفروضا على السودان منذ 1997.

لكنها لم ترفع اسم السودان من قائمة ما تعتبرها واشنطن “دولا راعية للإرهاب”، المدرج عليها منذ 1993؛ لاستضافته الزعيم الراحل لتنظيم القاعدة، أسامة بن لادن.

بحسب ما طرحه البروفيسور إيلي فودة الباحث في معهد “ميتفيم” المتخصص بالسياسات الخارجية للشرق الأوسط وإسرائيل، فإن تل أبيب حسنت بالعام الأخير علاقاتها مع السودان وباتت علنية، إذ بدأت العلاقات السرية مع النظام في الخرطوم منذ عهد الرئيس عمر البشير الذي أطيح به عام 2019.

ويرى المحاضر في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية أن النظام الجديد في الخرطوم، وفي محاولته استبعاد السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، يعتبر إسرائيل واللوبي اليهودي بالولايات المتحدة قناة مهمة للتأثير على الإدارة الأميركية.

وأكد أن التقاء المصالح لتل أبيب والخرطوم سرع بخروج العلاقات بينهما من السرية للعلن، من خلال اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح برهان في أوغندا عام 2019، كما تجري اتصالات بين الطرفين والولايات المتحدة وراء الكواليس، وليس ببعيد اليوم أن يقيم إسرائيل والسودان علاقات دبلوماسية رسمية.

وعلى عكس دول الخليج، يقول المحاضر الإسرائيلي “العلاقات مع السودان ليست ذات أهمية اقتصادية، لكن موقعها، سواء على طول نهر النيل أو على طول البحر الأحمر، يجعلها رصيدا إستراتيجيا على خريطة الشرق الأوسط وأيضا أفريقيا”.

لعبت السودان دوراً مهماً في الصراعات العربية، حيث تحولت سنة 1967 إلى قواعد تدريب وإيواء لسلاح الجو المصري وللقوات البرية، كما أنها أرسلت قوات إلى منطقة القناة أثناء حرب الاستنزاف التي شنتها مصر عام 1968-1970 وفي حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973م.

هذا ويعتبر أمن مصر من أمن السودان، فلا يمكن لمصر أن تستقر إذا كانت السودان مضطربة، كما وتشكل السودان أمن مصر المائي والذي هو من أمنها الغذائي، فلن يكون القرار المصري مستقلاً إذا لم تكتفِ ذاتياً من الغذاء، وبما أن مصر تعتبر من الدول العربية المهمة فإن السودان يمكن أن تكون نقطة ضغط مهمة على القرار المصري.

الأهمية التي تمتاز بها السودان جعلتها محطة لأنظار الكيان الإسرائيلي الذي باشر مخططاته بتقسيمها إلى دولتين كخطوة أولى، وذلك تحقيقاً لسياسة ديفيد بن جوريون، أوّل رئيس وزراء في الكيان الإسرائيلي، والذي أكد على أهمية زرع الفتن والإنقسامات العرقية والطائفية في الدول العربية لحماية هذا الكيان وتوفير مقومات بقائه، وكذلك فإن “جولدا مائير” رابع رئيس وزراء للحكومة الإسرائيلية أكد على أن “إضعاف كل من العراق والسودان يتطلب إثارة النعرات العرقية فيها”.

السياسة الإسرائيلية هذه لم تتوقف عند تقسيم السودان إلى دولتين، فالسعي الإسرائيلي لايزال مستمراً لتفتيت السودان إلى أجزاء أخرى، وقد ظهرت مؤامرة التقسيم هذه في كتاب “إسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان” الذي أصدره مركز دايان لأبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا التابع لجامعة تل أبيب، وبحسب الكتاب فإن الكيان الإسرائيلي يسعى إلى تقسيم السودان إلى خمس دويلات (دارفور، جبال النوبة، الشرق، السودان الجديد، السودان الشمالي) وذلك بهدف إضعاف الخاصرة المصرية، وحرمان العرب من مصدر تمويني وغذائي كبير بالإضافة إلى استغلال الكيان الإسرائيلي لمياه النيل رغم أنف مصر.

لا تقتصر المشاريع الإسرائيلية على جنوب السودان، فقادة الكيان الإسرائيلي ينفذون الكثير من الخطط في الداخل السوداني أيضاً، إذ أن الحركة الشعبية- قطاع الشمال المعارضة لحكومة البشير ترتبط مع الكيان الإسرائيلي بشكل وثيق، حيث أكد البشير أن “الحركة الشعبية- قطاع الشمال تتلقى الدعم من الكيان الإسرائيلي ودول ومنظمات أجنبية أخرى،” وكذلك فإن “عاموس يادلين”، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الإسرائيلية المعروفة اختصارًا بـ”أمان”، اعترف بالدور الإسرائيلي في إنشاء وتدريب الحركة الشعبية وحركات المعارضة في السودان وخصوصاً دارفور، حيث قال يادلين: “أنجزنا عملاً عظيمًا للغاية في السودان، نظمنا خط إيصال السلاح للقوى الانفصالية في جنوبه، ودربنا العديد منها، وقمنا أكثر من مرة بأعمال لوجستية لمساعدتهم، ونشرنا في الجنوب ودارفور شبكات رائعة قادرة على الاستمرار بالعمل إلى ما لا نهاية، ونشرف حاليًا على تنظيم (الحركة الشعبية) هناك، وشكلنا لهم جهازًا أمنيًّا استخباريًّا”، هذا بالإضافة إلى وجود تقارير تشير إلى أنّ اجتماعات المعارضة السودانية في ألمانيا كانت تجري بإشراف إسرائيلي.

رغم كل هذه التدخلات لم يكتفِ الكيان الإسرائيلي، بل كان يلجأ إلى الخيار العسكري بين الحين والآخر منفّذاً غارات داخل الأراضي السودانية بهدف إضعاف السودان وضرب استقرارها، حيث تعرضت السودان إلى النصيب الأكبر من الغارات الإسرائيلية خلال الفترة الماضية مقارنة مع باقي الدول العربية، ففي عام 2009 قام الطيران الإسرائيلي بغارتين قصف خلالهما شاحنات على الحدود المصرية السودانية، وفي 2011 قام الطيران الإسرائيلي بتنفيذ غارتين جويتين قرب مدينة بورسودان استهدفتا سيارات ادعى الكيان أنها موكب “عبد اللطيف الأشقر” القيادي في حركة حماس، وكذلك شهد عام 2012 الغارة الأكبر والأهم على السودان حيث استهدف الكيان الإسرائيلي مجمع “اليرموك” العسكري لتصنيع الذخائر والذي يقع في إحدى ضواحي العاصمة السودانية الخرطوم، وغيرها من الإعتداءات الكثيرة المتكررة والمستمرة إلى عامنا هذا، ففي مايو/أيار من العام الجاري تعرضت قاعدة عسكرية شمال العاصمة السودانية لهجوم إسرائيلي.

وكذلك فإن الكيان الإسرائيلي يعتمد على سياسة الإغتيالات لزرع الإنقسام والتفرقة في السودان، وقد أكد حزب المؤتمر الوطني الحاكم عقب اغتيال رئيس المجلس التشريعي لولاية جنوب كردفان أن “الأجهزة الأمنية سبق لها التنويه بوجود خلايا نائمة تستهدف القيادات السياسية، وتعمل على استغلال المظاهرات العشوائية”، واعتبر الناطق الرسمي باسم الحزب أن الاغتيالات “محاولة لجر البلاد إلى ساحة جديدة غير مأمونة العواقب”، وكذلك أكد سامية نائب رئيس البرلمان وجود “جهات خارجية تحاول تنفيذ أجندة الاغتيالات بالسودان” في إشارة إلى الكيان الإسرائيلي وبعض حلفائه.

الدور الذي يلعبه الكيان الإسرائيلي في السودان ينطبق عليه قانون “فرق تسد”، فالسودان تتعرض لهجمات واغتيالات ونعرات طائفية وعرقية وسياسية تهدف للنيل منها وتقسيمها إلى أكبر عدد ممكن من الدويلات المتناحرة التي تكون محتاجة في بقائها للكيان، مما يتيح استغلال هذه الدويلات لتطبيق المخططات الإسرائيلية في القارة السوداء، إضافةً إلى استغلال الثروات والموارد التي تتمتع بها السودان والتي تؤهلها لتكون قوة إقليمية تحد من الطموح الإسرائيلي في التوسع، الأمر الذي يؤرق صناع القرار الإسرائيليين ويقض مضاجعهم.

ويبقى السؤال المطروح عن إمكانية قبول الشعب السوداني بهذه الصفقة، وهو الذي ضحى من أجل أن يعيش في دولة ديمقراطية، ويعاني اليوم من تنكر الأصدقاء ذوي النوايا الحسنة، الذين يدّعون أنهم لا يريدون شيئا سوى نجاح المرحلة الانتقالية في السودان. لكن أفضل طريقة لإثبات هذا الالتزام تتمثل في تقديم صفقة تعزز جهود السودان في التغيير وتوفر لشعبه فرصة حقيقية ليمضي نحو مستقبل زاهر.

 


المصدر: https://ar.shafaqna.com/AR/225584/

نوشتن نظر